Home
Articles
Lectures
Press Release
Book Reviews
Membership
Join Mailing List

الإعلام يشقق قلوب المسلمين بدلا من البحث عن الجذور الحقيقية لأزمة الرسوم

الشيخ الدكتور رياض الحنيف الندوي

أوكسفورد بريطانيا

14/2/2006

 

كأن وسائل الإعلام البريطانية ومن بينها البي.بي.سي لم تكتف بالخناجر التي مزقت قلوب المسلمين من خلال رسوم مهينة، وتحاول أن تعوض عن عدم إعادة نشر تلك الرسوم بالمساهمة في إيلام المسلمين ضمن حملة دؤوبة لشق قلوبهم بحثا عن سبب استيائهم من الرسوم، لتثبت أنه ما كان ينبغي أن نستاء. يبدو أن وسائل الإعلام تلك تحاول أن تثبت أن مشاعر المسلمين تجاه الرسوم تمثل إنكارا لجواز رسم الأنبياء وأداة سياسية لبعض الدول. قليل من الناس يدركون أنه تم التخطيط لهذه الأزمة تحديدا من اجل إثارة تذمر واسع النطاق بين المسلمين، ونفور لدى الأوروبيين من الإسلام.

 

البي.بي.سي تنخدع بحادثة "كتاب الأطفال" المضللة

 

بثت القناة الإذاعية الرابعة للبي.بي.سي برنامجا خاصا في موعد برنامجها الدائم (بلد منفتح) قدمه مذيعها مالكولم برابانت "الذاهب إلى الدنمارك لاستكشاف جذور أزمة الرسوم". لكن بدلا من محاورة فلمنج روز الذي طلب إعداد الرسوم وقام بنشرها، ركز البرنامج بشكل كبير على إلقاء اللوم في إثارة الأزمة على عاتق مسلمين دانماركيين "قاموا بنقل الرسوم إلى العالم العربي،" وكأن الرسوم ما كانت لولاهم ستصل إلى تلك الدول العربية في عصر الفضائيات والانترنت، ولا من خلال سفارات تلك الدول في كوبنهاغن!

 

واستند السيد برابانت على فكرة مضللة تقول إن أساس الأزمة هو كتاب للأطفال ألفه السيد كار بلوتجين الذي لم يجد رسوما لكتابه "الهادف إلى نشر فهم أفضل للإسلام" ولم يجد من يقوم بإعداد الرسوم، مما دفع بالسيد روز إلى نشر رسوم تفي بالغرض. لقد انطلت قصة كتاب الأطفال هذه التي افتعلها المخططون للأزمة على الصحفيين إلى حد كبير، حتى أنهم روجوها دون أن يتساءلوا عن جدية الربط بين كتاب للأطفال وبين رسم قنبلة في عمامة. لو كان هدف السيد روز هو توفير رسوم تصلح لكتاب للأطفال لما كان لديه أي سبب معقول لنشر رسوم موجهة للكبار تتضمن قنابل مثلا.

 

وللأسف، فإن بعض ردود الفعل التي تضمنت عنفا من جانب شباب مسلمين لم يدركوا حقيقة المخطط أصبحت تستخدم كمبرر في الغرب لرفض كل مشاعر الأسى لدى الغالبية العظمى من المسلمين. ويتم رفض مشاعر المسلمين بزعم أن بعض الحكومات استثارتها لدوافع سياسية. بيد أن الواقع يثبت عكس ذلك؛ ففي أربعين دولة، منها أفغانستان ذات الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة، يتظاهر المسلمون ويقتل مدنيون برصاص شرطة مكافحة الشغب.

 

البي.بي.سي تتبنى أخطاء (ميمري MEMRI)

 

لو كان الإعلاميون في بي.بي.سي (التي تمولها أموالنا) يقومون بعملهم بمهنية كافية، لأدركوا أن أزمة الرسوم أعمق مما يبدو. لكنهم يعتمدون على تغطية انتقائية فوقعت بي.بي.سي للأسف في أخطاء ميمري المتحيزة، إذ عرض السيد تيم وايل وبرنامج نيوزنايت في 9/2/2006 رسوما كاريكاتورية عربية ومشاهد فيديو اختارتها منظمة ميمري من الإعلام العربي دون موازنتها بعينة من الإعلام الإسرائيلي الذي عادة ما يصور المسلمين والعرب كأشرار. لا يمكن أن نصدق أن مشاهد الفيديو العربية التي تم بثها والتي يظهر عليها إشارة "البث التجريبي" هي عرض موضوعي. كما أن البي.بي.سي استضافت إرشاد مانجي التي يرفض المسلمون اعتبارها متحدثة باسمهم.

 

مع أن للقصة وجهان، إلا أن بي.بي.سي اختارت الاعتماد على رؤية أحادية تمثلها ميمري المؤيدة لإسرائيل بدلا من أن تقوم بي.بي.سي بعمل أصيل موضوعي. إذا كانت بي.بي.سي تعتبر الاعتماد على عمل الغير عرضا موضوعيا، يمكن أن تجد نفسها مدعوة أيضا لعرض أشرطة الناشطين الفلسطينيين التي لا تظهر صور دماء مشكوك في صحتها كما هو في أشرطة ميمري، بل أطفالا يقتلون. أم هل يخلو أرشيف بي.بي.سي من صور الطفل محمد الدرة الذي قتل في أحضان أبيه؟

 

بل إن بي.بي.سي أخذت أشرطة ميمري المتضمنة رسوم ومشاهد من أعمال درامية عربية كما هي دون أن تضعها في سياق سليم، مما يجعلها تعطي صورة سيئة للمسلمين والعرب. لمعرفة المزيد عن منظمة ميمري طالع مقال برايان وايتكر المنشور في الغارديان، والمتوفر على

http://www.guardian.co.uk/elsewhere/journalist/story/0,7792,773258,00.html

 

اتهام المسلمين بمؤامرة السكوت

 

وجه برنامج "اليوم" في بي.بي.سي في حلقة 8/2/2006 اتهاما إلى المسلمين بأنهم يتجاهلون وجود رسوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم منذ القرن الثالث عشر، كما قالت كارولين كوين بنبرة استخفاف، واقتبست آية من القرآن استنتجت منها بجهلها أن المسلمين لا يفرقون بين الله والرسول. إذا كانت بي.بي.سي مستعدة للبحث في مؤامرة سكوت المسلمين عن تلك الأوهام، فإنه حري بها أن تبحث في سر عدم تقصي الإعلام عن العلاقة التي تربط السيد فليمنج روز الذي نشر الرسوم بالسيد دانيال بايبس أحد كبار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة والداعي إلى طرد المسلمين من أوروبا خشية أن يتحولوا إلى أكثرية تؤثر في السياسات الغربية تجاه إسرائيل.

 

بدلا من الاستخفاف بالمسلمين من خلال مقارنة الرسوم الدانماركية برسوم مزعومة ترجع إلى القرن الثالث عشر، على بي.بي.سي أن تقارن بين خطاب دانيال بايبس وخطاب فلمينج روز لكي يدرك الناس في العالمين الإسلامي والمسيحي الخطر الذي يهددهم جميعا. بغير ذلك تتطور الأزمة بالشكل الذي أراده المخططون لها. ولا بد من البحث عن الجذور الحقيقية للأزمة قبل أن تتطور بشكل خطير على العالمين الإسلامي والمسيحي.

 

الجذور الحقيقية للأزمة

 

ليس غريبا أن ترتبط أزمة الرسوم بدانيال بايبس الذي دافع عن المرأة الإسرائيلية التي نشرت سنة 1997 رسما مهينا للمسلمين يصور الرسول صلى الله عليه وسلم كخنزير يقف على القرآن، قال بايبس "إن المرأة التي وضعت الملصقات كانت تمارس ما نعتبره في الولايات المتحدة تعبيرا محميا. على حكومتنا أن تدافع عن حق نشر مواد مكتوبة بشكل سلمي مهما كانت تستاء من مضمونها... إن حرية التعبير لا تحمي أغاني الأطفال أو قصائد النوايا الحسنة، وإنما التعبير السيء، التجديفي والمستقبح. دعمت حكومتنا حرية التعبير على مدار قرنين ضد خصوم أكثر قوة من المتطرفين الإسلاميين. وعلى حكومتنا أن تفيق من صراخ السيد بيرن، وأن تتتمسك بهذا المبدأ" (25/7/1997 http://www.danielpipes.org/article/284 ولا يزال على موقعه وصلة لتلك الرسوم الإسرائيلية المهينة)

 

لكن قبل توضيح العلاقة بين بايبس وفليمنج، لا بد من كلمة احترازية حول نظرية المؤامرة. ينقسم الناس حول نظرية المؤامرة إلى فريقين يقفان على طرفي نقيض. الأول يتبنى نظرية المؤامرة في كل شيء، حتى أنهم قد يغفلون عن تدبير الله للأمور. هؤلاء مثبطون للعزائم، وهم يائسون لأنهم لا يستوعبون الظروف العالمية المعقدة ولا طبيعة الإنسان، بل إنهم لا يأخذون في الحسبان قدرة الله القائل "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"(الأنفال:30).

 

بالمقابل، فإن الفريق الآخر محبط كذلك، لأنهم يتبنون "نظرية الصدفة" فيعتقدون ألا رابط بين الأحداث وأنها كلها عشوائية، عرضية، تحكمية. لا يقبل هؤلاء وجود نزعة لدى الإنسان للتعاون مع غيره سرا، وينكرون ما يعرف "بالتخطيط الاستراتيجي". يتنعم هؤلاء في جهل ويتلذذون بإظهار الاستخفاف بمن لا يشاركهم غرس الرؤوس في الرمال. وفقا لهؤلاء، فإن أنصار إسرائيل الذين يهاجمون المسلمين حول العالم هم ضحايا أبرياء لجنون العظمة عند المسلمين.

 

كلا الموقفين غير مقبول للعقل ولا يلائم حركة التقدم في مجتمع حي. إن العقل ليتعطل إذا تبنى أيا منهما. علينا كمسلمين أن نكون في موقف صحي وسط بين السذاجة وجنون العظمة. فعلينا أن نقبل إمكانية وجود تخطيط استراتيجي متى توفرت أدلة، دون أن يمنعنا من ذلك الخوف من أن ننسب إلى نظرية المؤامرة. إن عدم التحري عن دوافع أنصار إسرائيل والتنسيق بينهم خوفا من تهمة تبني نظرية المؤامرة يقدم لهم خدمة جليلة.

 

وللبدء بالبحث عن الجذور الحقيقية لأزمة الرسوم، لا بد أولا من التعرف على ذهنية الشخص الذي أثار شراراتها، وهو فليمنج روز. خلافا لما يدعيه روز من أنه لم يكن يعرف الحساسية التي ستثيرها الرسوم لدى المسلمين (كمما أخبر الهيرالد تبريبيون 1/1/2006)، فإن روز درس الإسلام والمسلمين وبدأ الترويج لفكر دانيال بايبس منذ سنوات قبل أن يطلب من أربعين رساما أن يرسموا صورا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. دلنا روز، ليس فقط على علاقته ببايبس، بل وعلى مدى تأثره بأفكار بايبس في مقالة كتبها في جريدته (جيلاند-بوستن) في 29/10/2004، وامتدح فيها بايبس.

 

يقول روز في مقالته المترجمة إلى الانجليزية على موقع بايبس

(http://www.danielpipes.org/article/3362) إنه زار بايبس سنة 2004. يجب أن نعلم أن مقر دانيال بايبس في منتدى الشرق الأوسط غير معروف العنوان، فهو في مكان ما في إحدى ناطحات السحاب في بنسلفانيا دون أية لافتة تدل عليه، ولا يصل إليه أحد إلا بناء على دعوة؛ أي أن روز لا بد أن يكون قد تلقى دعوة شخصية من بايبس. يقول روز ممتدحا بايبس إنه معتدل وطالما حذر من الإسلاميين قبل هجمات 11/9 وأكد أنهم يشنون حربا غير معلنة على امريكا وأوروبا. ويشير أيضا إلى أن "نشاطات بايبس تثير بلبلة في أوساط الأكاديميين وتيار اليسار ولدى بعض المسلمين ويتعرض لانتقادات ومقاطعة لمحاضراته، وساد تذمر أوساط المسلمين عند تعيينه في مجلس معهد السلام الأمريكي التابع للحكومة، فليس غريبا أنه لا توجد لافتة على باب مركز الدراسات تدل على وجوده."

 

إن كل من يطلع على موقع بايبس على الانترنت فضلا عن أن يزور مكتبه ويحاوره يعرف الجدل الذي يثيره عادة. ومن الغريب أن مذيعي بي.بي.سي لم يدققوا في صدق روز عندما أخبرهم في برنامج نيوزنايت (2/2/2006) أنه لم يكن يعرف مما ستثيره الرسوم من استياء عند المسلمين. وعندما أخبرهم أن فقط بعض الرسامين الذين كلفهم بالمهمة قدموا رسوما تهكمية، لم يقدم تفسيرا لاختياره هذه الرسوم بالذات من بين رسوم أخرى لنشرها رغم علمه بأثرها السيء على المسلمين.

 

تحذير أوروبا من الإسلام

 

يروج بايبس فكرة أن هجرة المسلمين إلى أوروبا ستجعل المسلمين هم الغالبية في أوروبا في غضون عقود. إن هذه الفكرة تعتبر من قبيل النظريات العنصرية الواهية التي يترفع أي صحفي يعرف الحقائق والأرقام الصحيحة عن التعليق عليها. لكن مدير التحرير الدنماركي السيد روز تبنى هذه النظرية باعتبارها فكرا جادا جديرا بالترجمة إلى الدانمركية لتنشر في جريدته. فينضم روز إلى بايبس في إصدار التحذيرات إلى أوروبا من خطر المسلمين المهاجرين الذي ينذر بقرب انتهاء الحضارة الأوروبية، فيقول "إن بايبس مستغرب من عدم تنبه أوروبا للخطر الذي يمثله المسلمون، مع الأخذ في الاعتبار انخفاض معدل الولادات عند الاوروبيين وضعف إحساسهم بثقافتهم وتاريخهم. هذا أحد أهم أحداث التاريخ المعاصر. وردود الفعل الاوروبية هادئة بشكل يثير الحيرة... من الغريب أن المسلمين القادمين من بلدان أضعف في النواحي الاقتصادية والسياسية لديهم طموح ثقافي أكبر مما لدى الأوروبيين. هذا يحيرني كأمريكي. لقد كانت اوروبا قوة مؤثرة في التاريخ على مدى خمسة قرون لكن يبدو أن هذه المرحلة تتجه إلى نهايتها." (جيلاند-بوستن 29/10/2004)

 

إيجاد نفور من الإسلام

 

وعن استراتيجية حماية أوروبا، فإن مقالة روز تتضمن بوضوح دعوة إلى إيجاد نفور في أذهان الأوروبيين من الإسلام، بناء على نصيحة بايبس حول مواجهة الإسلام المذكورة في المقالة ذاتها. وتظهر مقالة روز أيضا نيته التدخل في شؤون المسلمين، وموافقته الضمنية على استراتيجيات بايبس المقترحة. يقول روز مع اقتباسه من بايبس: "يخلص دانيال بايبس... إلى أن ملايين المسلمين سيؤيدوننا، وعند التامل نجد أن مواجهة وحل الصراع الحالي لا بد أن يتم داخل العالم الإسلامي، حيث يجب، كما يرى بايبس، إيجاد قيادات وافكار بديلة تتولى مواجهة الإسلام المسلح. ففي صراعنا مع الفاشية والشيوعية، انتصرنا لأننا استطعنا أن نهمش أيدلوجية العدو وجعلناها تبدو منفرة بالنسبة للأغلبية."

 

في ضوء هذه المقتطفات، هل نفسر الشك لمصلحة روز وأنصار إسرائيل؟ وهل يبقى من غير المعقول أن نتساءل عما إذا كانت رسوم روز تمثل جزءا من مؤامرة تهدف إلى إيجاد نفور لدى الأوروبيين من الإسلام والمسلمين؟ أليس من الممكن أن تكون هذه الضجة جزءا من الحملة الجارية للدفع نحو إصلاح ديني في الإسلام يتم من خلال التشكيك بالعلماء الصالحين وإحلال غيرهم مكانهم من أمثال إرشاد مانجي حاملة لواء الشذوذ الجنسي التي يتكرر ظهورها على بي.بي.سي (نيوزنايت 9/2/2006)، وامير طاهري التابع لمؤسسة بينادور (جريدة سساديه تايمز 12/2/2006)، وغيرهم ممن هم أكثر تمويها في أساليبهم لكنهم ليسوا أقل خطرا. (طالع مقالاتي حول الأشخاص المذكورين على http://www.occri.org.uk/articles/Taheri280705.htm و http://www.occri.org.uk/Articles/QuestionsforBBCProducers.htm)

 

ما جرى هو جزء من مهمة وليس مجرد سوء تقدير

 

لو كان نشر الرسوم مجرد سوء تقدير من جانب روز، لبادر مثل أكثر الرجال الأوروبيين المعاصرين المتحضرين إلى التراجع عن الرسوم، والاعتذار عما سببه من ألم للمسلمين. منه بدلا من ذلك دخل في حملة شعواء لاستغلال الرسوم كأداة لإبراز التناقضات بين المسلمين والأوروبيين. وبدل الاعتذار، بدأ روز يثير قضية المهاجرين. ففي برنامج نيوزنايت ( بي.بي.سي 2/2/2006)، قال روز دون أن يعترض عليه أحد: "لقد أعطت هذه الرسوم قوة جديدة للجدل المهم حول المهاجرين في الدنمارك، وقد بدأنا بهذه المناسبة نتساءل عن حجم التنازلات التي ينبغي أن يقدمها المجتمع المضيف فيما يعلق بقيمه ومعاييره عند استضافة أجانب كمهاجرين أو لاجئين، والتنازلات الثقافية التي ينبغي أن يقدمها المهاجرون. ومن المشكل أن يلزمني بعض المسلمين بالخضوع في مجال العمل العام لممنوعاتهم. إنهم إذن لا يطالبون باحترامي وإنما بخضوعي."

 

أليس في ادعاء روز أن الرسوم أعطت قوة للجدل حول المهاجرين صدى قويا لاستغراب بايبس من عدم التفات أوروبا لخطر المهاجرين المسلمين؟ يمكن أن نتصور خيبة أمل روز إذ لم يجد ملايين المسلمين يؤيدونه كما ادعى بايبس. ربما استطاعوا أن يجمعوا قلة من المسلمين المضللين للتظاهر تأييدا للرسوم في الدنمارك، لكن الملايين لم يتحركوا للدفاع عن روز.

 

تراجع ذكي

 

مع تطور أزمة ارسوم، بدأ بعض المعلقين بتوجيه أسئلة محرجة لروز، كالاستفسار عن علاقته بدانيال بايبس. في جواب بعن سؤال خر وجهه إليه دان بيليفسكي من الهيرالد تريبيون (1/1/2005)، قال روز إنه لن ينشر رسما لأرييل شارون يخنق طفلا فلسطينيا، رغم تمسكه بأنه لا حدود لحرية التعبير. بعد ملاحقته بهذا النمط من الأسئلةن أعلن روز فجأة أنه على استعداد لنشر رسوم إيرانية تتعلق بالهولوكوست. ثم تم إعفاؤه من منصبه كمدير تحرير للصحيفة؛ فهل يصدق الناس حول العالم أنه كان سينشر تلك الرسوم الإيرانية لو ظل مديرا للتحرير؟ لا أظن ذلك، فلا بد أن تظهر الحقيقة رغم أنف من يحاول إخفاءها.

 

ماذا بعد؟

 

حتى الآن يبدو أن الأزمة تحقق ما أراده مدبروها. فقد تم دق ناقوس الخطر في أوروبا من خلال رسوم أذابت قلوب المسلمين كمدا؛ وردود الفعل أوجدت نفورا من الإسلام والمسلمين لدى اوروبيين ساذجين كثر، وظهر "مصلحون" مسلمون مرة أخرى ليحاولوا انتزاع مكانة العلماء الصالحين.

 

مما قاله بايبس تعليقا على أزمة الرسوم: "على عكس ما يبدو، ليس الأمر صراع بين الحضارات...فإن هناك مسلمين معتدلين، متنورين، وذوي فكر حر... وهم يتطلعون إلى الغرب للعون والدعم... وسيكون لهم في النهاية دور مهم في إدخال الحداثة إلى العالم الإسلامي." (ناشونال ريفيو اونلاين، 7/2/2006)

لا بد من الإشارة إلى أن كل من لا يتفق مع تصور بايبس للإسلام المعتدل، سيصنف انه متطرف أو مسلم مسلّح بغض النظر عن منهجه. ففي 2001 وصف بايبس في كتابه (الخطر بيننا) الشيخ ابا الحسن الندوي الذي يحترمه العالم أجمع بأنه "متطرف هندي كبير" لأنه وعظ المسلمين في الغرب بأن التزام التقوى في حياتهم سيجذب الناس إلى الإسلام.

 

إذا نمت بذور التنافر بينما تصدر ردود فعل من بعض المسلمين حسب ما أراد المخططون للرسوم الاستفزازية، وإذا استمر "المصلحون" الحمقى في مهاجمة الإسلام، فإن فرص انسجام الثقافات المتعددة في أوروبا ستكون بائسا، وستصبح الحياة صعبة في هذا العالم. لتجنب ذلك، على المسلمين في اوروبا والأوروبيين الأصليين على السواء أن يعوا وجود حرب نفسية يشنها عليهم عدد قليل من المراكز المؤثرة التي يجمع بينها خدمة أهداف إسرائيل.

 

رسالة للأوروبيين

 

نقول للأوروبيين، إن المسلمين يحبون ويحترمون نبيهم صلى الله عليه وسلم بحب لا يمكن وصفه بالكلمات.إنه من الصعوبة بمكان أن نجد مقارنة يمكن من خلالها توضيح شدة هذا الحب. إذا كان لا بد من توضيح بمقياس مألوف لكم، فعليكم أن تتصوروا حب وتقدير الناس في بريطانيا للأميرة ديانا بعد موتها وتضيفوا إليه احترامهم للملكة الأم، ثم تضاعفونه أضعافا كثيرة. أشك أن أية صحيفة بريطانية يمكن أن تتجرأ على نشر رسوم مهينة لهاتين الشخصيتين لما لهما من تأثير على حياة البريطانيين.

 

فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير قدوة في الرحمة والهداية بالنسبة للمسلمين وإن كلماته وأفعاله تؤثر في حياة المسلمين اليومية بكل تفاصيلها من طريقة تحية بعضهم بعضا إلى آخر ما يقوله أحدهم قبل النوم، وإنه أحب إلى المسلم من نفسه وأهله.

 

لا أستطيع أن أتحدث باسم القلة الصغيرة من المسلمين الذين يئسوا من أنكم يمكن أن تصغوا إليهم فلجأوا إلى استخدام القنابل، لكنني هنا أقدم إليكم دعوى الغالبية العظمى من المسلمين في أوروبا. هؤلاء مسلمون مخلصون جاؤوا إلى أوروبا بسلام. جاؤوا فرارا من القهر أو صعوبة الحياة في أماكن مختلفة من العالم، ولئن كنا من قبيل العرفان لكم نتمنى أن تتعرف قلوبكم على ديننا، فإنه من الظلم الفادح أن يفسر ذلك "كتوجه لتدميركم". إنه من غير المنطقي أن تسعى لتدمير أناس وإلى أن تكسب قلوبهم في الوقت ذاته.

 

من المؤسف أن أمثال دانيال بايبس استطاعوا في الآونة الأخيرة أن يقنعوا بمنطقهم السخيف كثيرا منكم بوجود خططنا المزعومة لتدميركم، وثانيا بأن المسلمين على وشك أن يحتلوا أوروبا ويحولوها إلى سجن. لكن الواقع أن المسلمين يهربون إلى أوروبا من القهر والاضطهاد؛ فسبعون بالمائة من اللاجئين في العالم هم من المسلمين. وإنه من السخرية بمكان بث دعاية أن المسلمين على وشك أن يغزوا ويحتلوا قارات بأكملها أولها أوروبا بينما هم في الواقع الذين تقع أراضيهم تحت الاحتلال، وتقصف مدنهم حتى تتحول إلى حطام، ويتم محو قرى بأكملها عن وجه الأرض.

 

لقد حان الوقت لمحبي السلام العقلاء أن ينهضوا ويقولوا: كفى! فإلى متى سندع حكوماتنا تسخر باستخدام أدلة مصطنعة لاتخاذ قرارات غير حكيمة (حروب غير مشروعة مثلا)؟ وإلى متى نصمت بينما تبث وسائل إعلامنا تغطية منحازة تهدم في دقائق عقودا طويلة من مصداقية اكتسبت بشق الأنفس (مثل اعتماد بي.بي.سي على تقرير منظمة ميمري)؟

 

وبينما يناقش البرلمان البريطاني مشاريع قوانين لتجريم تمجيد الإرهاب والإغراء عليه، أينبغي أن نستمر في السكوت على أفعال مثل تمجيد بايبس إهانة رسول الله من خلال صور إسرائيلية مهينة سنة 1997 وكلامه الذي أغرى روز سنة 2004؟ وفقا لبايبس، يجب تحذير اوروبا من وجود المسلمين فيها، ووسيلة التحذير هي إيجاد نفور في اذهان الناس. إن بطاقات الهوية التي صوت البرلمان البريطاني لصالحها لن تساعد في الكشف عن المؤسسات الذكية المصممة على إذكاء شرارة صراع الحضارات.

 

رسالة إلى مسلمي العالم

 

أقول للمسلمين، لقد تم استدراجنا مرات ومرات للتصرف كأحجار على رقعة الشطرنج، ولا بد الآن من وقفة اعتبار. عن أعداء الإسلام يقرؤون تاريخنا، ويعرفون أنه تم اتباع أسلوب إهانة النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء على المسلمين في الأندلس، حيث كان هنا حملة منظمة لاستفزاز المسلمين من خلال إرسال أفراد لسب النبي عند خروج المسلمين من صلاة الجمعة لاستدراج المسلمين إلى رد فعل مفرط يؤدي إلى انقسام بين المسلمين والمسيحيين. لقد نجح ذلك الأسلوب فعلا وكانت تلك الحملة بداية سلسلة من الأحداث انتهت بطرد المسلمين من الأندلس.

 

والآن يتم استخدام أزمة الرسوم وردود الفعل لإيجاد نفور من المسلمين في أوروبا. بدأ موقع (yougov.com) مؤخرا بتوجيه أسئلة مثيرة في استطلاعات الرأي حول أزمة الرسوم، مثل (هل جعلك منظر المحتجين تشعر بالغضب؟) حيث أجاب 58% بنعم؛ "وهل يستطيع المسلمون في بريطانيا أن يتعايشوا بسلام مع أتباع الديانات الأخرى؟" حيث أجاب 63% بلا (صحيفة سانديه تايمز 12/2/2006). إن الموقع المذكور يعتبره دانيال بايبس "محترما" لأنه نشر أن هناك 16000 مسلم إرهابي ناشط في بريطانيا (frontpagemagazine.com 25/7/2005).

 

ولئن كنت لا أستطيع أن اؤكد أن هناك تنسيقا بين دانيال بايبس واستطلاع الرأي على موقع yougov ، إلا أنه من الواضح أن طبيعة الأسئلة التي طرحها الموقع تخدم شخصا عزم على إيجاد نفور في القلوب والأذهان من الإسلام والمسلمين في المجتمع الاوروبي، وتساعده في تحديد مدى نجاح خطته. علاوة على أن استطلاعات الرأي يمكن أن تستخدم للتأثير في الرأي، وهذا أمر مهم لبايبس.

 

بناء على مما عرضته في هذه المقالة، فإن بعض ردود فعل المسلمين أسعدت بايبس وأنصاره وربما خدمت مخططهم. بينما كانت بعض الأعمال وردود الفعل حكيمة وضرورية، فقد رأينا مظاهرات تحمل شعارات ساذجة، وتحرق السفارات، وتمت مقاطعة شركات لا علاقة لها بالرسوم، وتم مهاجمة مواقع انترنت لأناس برياء في الدنمارك. ومن العجيب انه بينما نسلط غضبنا وهجومنا على الأوروبيين، تواصل اسرائيل التمتع بعلاقات ودية مع دول إسلامية ويزدهر نشاط شركاتها في أسواقنا.

 

بهذه الأفعال نكون قد سقينا بذور النفور التي ألقاها بايبس في قلوب عدد قليل من الأفراد، ونمت الآن للتحول إلى تنين هائل يتخبط في قلب أوروبا. بالطبع، من الصعب أن يجد المرء وقتا للتفكير ومجالا للتصرف بحكمة عندما تغرز الخناجر في قلوبنا وتمزق أقوى شرايينها: حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن ردة الفعل القوية لسحق الخناجر يجب أن تثوب لاحقا لداعي الحكمة الذي ينظر إلى اليد التي تحمل الخنجر، والجسد الذي تمتد منه اليد، وقبل كل شيء العقل الذي يوجهها. لنهزم ذلك العقل لا بد أن نفهم كيف يفكر وما هي أهدافه. ثم علينا أن نرد بطريقة لا يمكن أن يتوقعها العقل الشرير. ولنتذكر قول رسول الله محذرا "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" (البخاري)

 

أما ونحن نعرف ماذا جرى في الأندلس، فلن ندع التاريخ يتكرر بإذن الله. يجب علينا بدلا من أن نهاجم الخنجر ونوجد نفورا من المسلمين، أن نبين للعالم لماذا ألمنا كبير جدا. بالخطاب الحكيم والمثال الحسن سنبين لماذا "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" (الأحزاب:6)

 

لن يتم ذلك بالصراخ على الناس في الشوارع، ولكن بدعوتهم والحوار معهم في بيوتنا ومكاتبنا ومساجدنا ومؤتمراتنا. لندع العالم يرى جمال شخصية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولنتعلم من موقف رسول الله عندما زار الطائف، فسخر الناس منه وأتبعوه السفهاء يرجمونه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه. بعدها لجأ إلى ربه ودعا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك".

 

ما لبث أن جاءه ملك عظيم يعرض عليه تدمير الطائف بالجبال، فأجاب الرسول: " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا". إن المسلمين في شبه القارة الهندية هم من المستفيدين بشكل مباشر من ذلك القرار الرحيم الذي اتخذه رسول الله عند الطائف؛ فمحمد بن القاسم الذي حمل الإسلام إلى شبه القارة الهندية كان من سلالة أهل الطائف.

 

"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الانبياء:107)

 

www.occri.org.uk