Home
Articles
Lectures
Press Release
Book Reviews
Membership
Join Mailing List

OCCRi - Oxford Cross Cultural Research institute

رئيس الوزراء

10 داوننج ستريت

لندن، SW1A 2AA

                                                                                                            28 أيلول 2004

 

السيد رئيس الوزراء،

 

أُعجبتُ بصراحتك في الإقرار بأن المعلومات الاستخبارية حول العراق كانت خطأ، وأعتقد أنه من المهم

 أن تُنعِم النظر في أسباب هذا الانتكاس الشامل في جودة المعلومات الاستخباراتية التي قادت إلى الحرب على العراق. فإذا كان ينبغي دراسة الأسباب الجذرية ، كما أسميتَها، فإنه ينبغي ألا ينحصر التركيز في المدارس (الشرعية)، خطب الجمعة، والوهابية، إذ يعكس ذلك ويا للأسف خطاب دعاة الحرب المحافظين الجدد عبر الأطلسي. أعتقد أن هناك حاجة للبحث في كل أشكال الحجج التي تمت صياغتها وراء ضباب ’استخبارات المواربة‘تلك وأدت إلى الأوضاع العالمية الحالية.

 

الوهابية

 

أشرتَ إلى الوهابية غير القابلة لأية تسوية. إذ يتم إعطاؤنا انطباعا بأن الوهابيين أناس تملؤهم الكراهية، ويتبعون نهجا من الإسلام لا يمكن للمرء أن يتوقع – في أية ظروف كانت – حوارا تفاوضيا أو تعاونا معه. فيقال لنا إن هدفهم الوحيد هو تدمير الحضارة الغربية وإن الحل الوحيد هو غزو بلادهم وغسل أدمغة أبنائهم بالقيم الغربية. أرى أنه ينبغي إخضاع هذه الحجة للتدقيق التاريخي. لقد مات الشيخ محمد بن عبدالوهاب سنة 1792. وأقامت الحكومة البريطانية وغيرها من الحكومات الغربية على مر المائتي سنة الماضية حوارا دؤوبا وعلاقات وثيقة مع أتباع الشيخ عبد الوهاب من آل سعود. ولا يقتصر التعاون على مستوى الحكومات فحسب، بل فيما بين الشعوب.

 

 

 وإني على يقين أنك تعلم أن الغرب قد استخدم الآلاف من الناس للقتال في حربه الباردة مع الروس في أفغانستان قبل العقدين المنصرمين من خلال الاستخبارات السعودية والباكستانية. ذهب مسلمون مخلصون من جميع أنحاء العالم للقتال في أفغانستان وهم يعتقدون أن ذلك جهاد مشروع إلا أنهم كانوا مدركين أنهم بذلك يقاتلون إلى جانب غرب مسيحي ضد دولة روسيَّة ملحدة. فلقد قبلوا المساعدة والتعاون المباشرين من الولايات المتحدة – يكفي أن يطلع المرء على الاستعمال الفعال لصواريخ ستنجر أمريكية الصنع في ذلك الصراع. وإنه من الصعوبة بمكان أن نوفِّق بين هذا التاريخ والتصور الجديد الذي تتم صياغته: تصور لأناس لا يمكنهم التفاوض ألبتة.

 

طالبان

 

والأمر ذاته ينطبق على طالبان الذين تم استدراجهم من حلقاتهم العلمية بواسطة عملاء مخابرات مدربين جيدا وتم تحويلهم إلى قادة حرب. وحيث أن المدارس الديوبندية قد وجدت منذ سنة 1867 وتم النأي بها دائما عن كل ما يتعلق بالعنف والميول العسكرية، فإنه لا يجافي العقل أن يرتاب المرء في مصادفة تسلح العديد من المدارس الديوبندية في باكستان في وقت واحد بالضبط حين تشوَّف فيه الغرب لأنبوب نفط عبر أفغانستان. ويبدو أن الجميع نسوا أن وفودا عديدة من طالبان دُعيت إلى الولايات المتحدة لمناقشة أنبوب النفط. فبينما يقال لنا الآن إن طالبان كانوا متأهبين لتدمير الغرب وإنهم لم يكونوا يقبلون أي نقاش، فإنّ أحدا لا يمكنه أن يفسر لماذا ترأس ملا محمد غوص وفدا إلى هيوستن في تشرين ثاني 1997، حيث تمت استضافتهم في فنادق خمس نجوم وتم اصطحابهم في نزهات لزيارة مواقع مختلفة منها محطة ناسا الفضائية. وتناولوا طعام العشاء في مقر مارتي ميلر ودخلوا في مناقشات مع مسؤولين من وزارة الخارجية (كارولين ريز ’سادة النفط يستضيفون طالبان في تكساس‘، صنداي تلغراف، 14 كانون أول 1997).

 

آمل أن تقدِّر ما يلحق المسلمين من شعور بالإهانة تضاف إلى ما حاق بهم من أذى عندما يقال لهم إن فورة العنف هذه ترجع إلى مناهجهم التي تُعلِّم الكراهية والفُرقة. بَيْد أن هذه المناهج لم تتغير قط. فلقد كانت هي ذاتها عندما كان الغرب يستخدم من العرب من يخوض حربه الباردة في أفغانستان. كانت المناهج هي نفسها عندما زار وفد طالبان الولايات المتحدة لمناقشة مشاريع أنبوب النفط. وكانت المناهج هي هي عندما تم استدراج جيوش الشريف حسين للزحف مع تي. إي. لورنس على العقبة.

 

دور المدارس (المدارس الشرعية)

 

لا جَرَمَ أنَّ في كل ثقافةٍ ثمَّة مؤسسات وجماعات من الناس يعملون للمحافظة على العناصر الجوهرية لتلك الثقافة. ففي اليهودية مثلا تؤدي تقاليد الأرثودكس والمدارس الدينية تلك الوظيفة بالمحافظة على النصوص، التقاليد، الممارسات والأحكام الفقهية. ولو استخدمنا التصور الجديد للمدارس الشرعية لكان من السهولة بمكان عليَّ أن أنتقي بعض تلك التقاليد اليهودية لرسم صورة لدعاة كراهية متعصبين تماما كما يتم عرض التقاليد العلمية الإسلامية في هذه الأيام. إلا أنني متأكد أنني لو قمت بذلك لتم الرد علي بأن إظهار الاختلاف لا ينتج بالضرورة كراهية مهما بدا الاختلاف قاسيا. فذلك لا يعدو كونه وسيلة لتأكيد هوية المرء الذاتية.

 

إن معظم الذين يثيرون الخوف بسعيهم لامتلاك أسلحة الدمار الشامل اليوم لم يتتلمذوا في المدارس الشرعية. ولئن كان يجب تمحيص المناهج فلربما ينبغي أيضا الالتفات إلى مناهج وكالات الاستخبارات التي تعلم مستخدميها الاستفزاز وكيف يسخِّرون السُذَّج ليصبحوا أدوات في لعبتهم السياسية. فلم يعد العالم يحتمل الآن المغامرات الكبيرة.

 

إن كنتُ عائشاً في صحراء أصابها القحط، وكان الإنسان القاطن في واحة مستعدا لبيعي ماء؛ وكان يسمح لي بجر أنابيب من بئره لكي أزرع وأنشئ واحة خاصة بي، فإنني لن أؤيد قُطَّاع الطرق الذين ينهبون ممتلكات أبناء هذا الإنسان. هذا المثال يبين جانبا واحدا فقط من منظور الطرف الآخر. فلو أنه تم تغيير المناهج في جميع المدارس الشرعية في العالم، لَمَا منع ذلك منفذ التفجير الانتحاري الأول في فلسطين. لقد كان مسيحيا محبطا. ويجب ألا ننسى أن هناك أناساً حريصين على إثارة وإدامة التوتر بين العالمين الإسلامي والمسيحي. أعتقد أن هذا مما أدى إلى فشل الاستخبارات الذي اضطُررتَ للاعتذار عنه اليوم. وأرجو ألا تدَعَ حجة أخرى مبنية على رجحان المواربة والالتواء تقدوكَ وزملاءك إلى عمل آخر تضطر للاعتذار عنه في المستقبل. إنَّ المدارس الشرعية تحافظ على العناصر الجوهرية في ثقافتنا وإنَّ بقاء تراثنا العزيز رَهْن بها.

 

إنني أنتمي إلى نهج مدرسيّ (ندوة العلماء) دأب منذ ما يزيد على مائة عام على تشجيع التطوير التدريجي لمناهج المدرسة بحيث توفر تقديرا للعالم المعاصر. وأعتقد جازما أنه لن يكون من الحكمة في شيء أن يعمل الغرب على استئصال النظام كليا – بحيث يفصل شعبا عن تراثه – اتباعا لمنطق عقيم. إن مهاجمة المدارس الشرعية لن تؤدي إلا إلى تفاقم مشاكل عالمنا الذي يتزايد تأزمُّه.

 

                                                                                    المخلص،

 

                                                                        الشيخ محمد رياض الندوي،

M.A.,PhD.                       

OCCRi

28/أيلول/ 2004.